أحلام ما بعد العصر لمدينة بلا شمس… حين يتحوّل الخيال إلى مرآة للحقيقة..

أمينة البازي | آخر تحديث: 26/10/2026 | 54 | 0 | مراجعات كتب

أحلام ما بعد العصر لمدينة بلا شمس… حين يتحوّل الخيال إلى مرآة للحقيقة..

شعرت وأنا أقرأ هذه الرواية أنني أمام عمل يبدو في ظاهره خيالياً، لكنه في عمقه يتجاوز حدود الخيال بكثير. أحياناً كنت أشعر أنني أقرأ رواية فلسفية، وأحياناً أخرى بدا لي أنني أمام عمل علمي، أو قراءة نقدية للتاريخ الاقتصاد والسياسة والمجتمع. وكأن الكاتب اتخذ من الخيال مساحةً رحبة ليطرح أسئلة يصعب أحياناً الاقتراب منها مباشرة، وليكشف، بدهائه المعهود وعمق أفكاره، عن خيوط خفية تتحكم في العالم، وعن قوى ومصالح تتجاوز ما نراه على السطح.

تبدأ الحكاية من معاناة شاب يحاول فهم ما يحدث له داخل أحلامه، حيث يطارده "بوغطاط" ويجد نفسه أحياناً عاجزاً عن الحركة، قبل أن تقوده هذه التجربة إلى «أبانجيا»، حيث يجد نفسه في عالم مختلف تماماً، يُجنَّد فيه داخل أجهزة الاستخبارات، ويتحول تدريجياً إلى شخص قادر على التأثير في عقول الآخرين والتحكم فيها.

لكن الرحلة الحقيقية، في نظري، لم تكن رحلة انتقال من مكان إلى آخر، ولا مجرد مغامرة في عالم متخيّل؛ بل كانت رحلة بحث عن الحقيقة، وعن الحدود الفاصلة بين ما نعتقد أننا نختاره بإرادتنا وما قد تكون هناك قوى أخرى تسهم في توجيهه.

أحببت كثيراً النقاشات التي جمعت "ويتكو" بـ"نزار"، لأنها لم تكن مجرد حوارات عابرة داخل الرواية، بل كانت لحظات تدفع القارئ إلى التوقف والتفكير وإعادة النظر في أفكاره ومسلّماته. وهذا ما أقدّره في الكتابة التي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تجعل القارئ شريكاً في التساؤل، وتترك في ذهنه أسئلة تستمر حتى بعد إغلاق الكتاب.

وما شدّني أكثر هو أن القضايا التي تناولتها الرواية، رغم ما يحيط بها من خيال، بدت لي قريبة جداً من واقعنا. تضارب المصالح، والصراع على النفوذ، والفردانية، والتحكم في الوعي، والجهل بما قد يحمله المستقبل؛ كلها موضوعات جعلتني أشعر بأنني لا أقرأ عن عالم بعيد عني، بل أتأمل جانباً من العالم الذي أعيش فيه. وقد وجدت نفسي، وأنا أتابع الأحداث، أنتقل ذهنياً إلى المستقبل، وأتساءل عن مصير البشرية، وعن مدى قدرتنا على فهم ما يجري حولنا، وعن حقيقة حريتنا في عالم تتشابك فيه المصالح والقوى والتقنيات والأفكار.

ولعل أجمل ما في الرواية أنها جعلتني أستقبل أحداثها بحواسي ومشاعري، لا بعقلي وحده. حين وصلت إلى مقطع "معزوفة الفصول الأربعة"، لم أكتفِ بقراءته، بل بحثت عن المعزوفة على يوتيوب، وشغّلتها وواصلت القراءة على أنغامها، رغبةً مني في أن أعيش اللحظة أكثر، وأن أندمج في أجوائها إلى أقصى حد. للحظة، لم تعد الموسيقى خلفيةً للقراءة، بل أصبحت جزءاً من التجربة نفسها، كأن الكلمات والصوت اجتمعا ليصنعا مشهداً لا تكتمل متعته إلا بهما معاً.

أما حين قال الكاتب على لسان "مراد": «إنها النهاية»، فقد شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. لم تكن مجرد عبارة قرأتها وتجاوزتها، بل كانت لحظة عشتها بالفعل، وكأنني انتقلت من موقع القارئ الذي يراقب الأحداث إلى موقع الشخص الذي يعيشها. ووجدتني أردد في داخلي: يا إلهي، ما هذا؟! لقد شعرت حقاً وكأنني كنت تحت التخدير؛ ذلك النوع من الاندماج الذي يجعلك تنسى، للحظات، أنك تجلس أمام كتاب، فتغدو الأحداث أكثر حضوراً من الواقع المحيط بك.

أعجبتني أيضاً الطريقة التي بدأ بها الكاتب من تجربة تبدو شخصية وغامضة، من حلم ومعاناة ومحاولة لفهم ما يحدث، ثم أخذ يتوسع تدريجياً حتى وصل إلى أسئلة كبرى تتعلق بالعالم وتاريخه ومستقبله. لقد وجدت نفسي أركض خلف الأحداث بلهفة، أريد أن أفهم، وأن أكتشف ما تخبئه الصفحات التالية، وفي الوقت نفسه كنت أستمتع بكل انتقال إلى فكرة جديدة، لأن الرواية لم تكن تمنحني الأحداث وحدها، بل كانت تمنحني معها مساحة للتأمل والتحليل.

ومع ذلك، لا أخفي أنني كنت أرغب بشدة في أن تنتهي الرواية عند عودة البطل إلى مدينته وأهله واستيقاظه من الحلم. ربما لأنني تمنيت، في تلك اللحظة، أن أجد نهاية تعيد كل شيء إلى نقطة البداية، وتترك الباب مفتوحاً أمام احتمال أن تكون كل تلك الأحداث حلماً طويلاً. وربما لأنني، بعد كل ذلك الانغماس، كنت أحتاج إلى لحظة ألتقط فيها أنفاسي وأعود إلى الواقع الذي غادرتُه بين الصفحات. لكن، أياً كان الأمر، فإن رغبتي في نهاية مختلفة لا تنتقص من متعتي بالرواية، بل تعكس مدى تعلقي بأحداثها وشخصياتها، ومدى رغبتي في البقاء داخل عالمها زمناً أطول.

في المحصلة، أجد صعوبة في اختزال هذه الرواية في وصف واحد. إنها عمل خيالي يستعير أدوات العلم والفلسفة والتاريخ والنقد الاجتماعي والسياسي، ليطرح أسئلة تتجاوز حدود الحكاية نفسها. وهي بالنسبة إليّ أكثر من قصة عن شاب انتقل إلى عالم غريب؛ إنها رحلة في أعماق الوعي، وفي طبيعة السلطة، وفي هشاشة الإنسان أمام القوى التي قد لا يدرك وجودها، وفي المستقبل الذي نصنعه أحياناً دون أن نعرف إلى أين يقودنا.

أحببتها لأنني لم أقرأها بعينيّ فقط، بل عشتها بفكري ومشاعري؛ لأنني وجدتني أندهش، وأتساءل، وأتوجس، وأتلهف، وأحياناً أتوقف لأستوعب ما قرأت. ولأنها ذكّرتني بأن الخيال، حين يُكتب بذكاء وعمق، لا يبعدنا بالضرورة عن الحقيقة، بل قد يكون إحدى الطرق الأكثر إثارةً لللاقتراب منها.

وربما هذا هو أجمل ما يمكن أن تفعله رواية بقارئها: أن تجعله، بعد أن يطوي صفحاتها، يشعر بأنه غادر عالماً متخيلاً، لكنه عاد إلى واقعه بأسئلة جديدة، وبعين مختلفة، وبشيء من الحيرة أمام كل ما كان يظنه واضحاً.

رواية رائعة، استمتعت برحلتها وتفاصيلها، وكنت أتمنى لو أنها لم تنتهِ بعد. وربما لهذا السبب تحديداً، لا أريد أن أقول إنني انتهيت من قراتها؛ بل إنني انتهيت من صفحاتها فقط، أما الأسئلة والمشاعر التي تركتها في داخلي، فما زالت مستمرة...

أمينة البازي

أنشر المقال عبر:

مقالات ذات صلة

التعليقات

لا توجد مراجعات بعد.
يجب تسجيل الدخول

يجب تسجيل الدخول لإضافة مراجعة.

تسجيل الدخول