بحافةِ رياضٍ بارد
ساميه علي سهلي | آخر تحديث: 17/12/2025 | 2384 | 63 | قصص
غارقة في محطة انتظار، تنتظر قطار قادم برياضٍ بارد يهب من جهةٍ لا يعرفُها أحد يُلامس روحها ويقول شيئاً لا يُسمع. تقاومه بعينين مُنكسرتين كبقايا لوحة نسيها رسامُ بائس ترك خطوطه فيها ورحل.
يصل القطار لتستقل مقعداً بلحظةٍ محمولة على صمتٍ غامض تشبه المسافة بين الشهيق والزفير.. بين بداية لا تُراد، ونهايةً لا تُعلم. تسرق من أول شُرفةً للنهار خيط املٍ تضعهُ في حجرها كعزاءٍ صغير.
تضم جسدها الهالك بمعطفٍ بُنيٍ أنيق، بعد أن رصّت بين حبات ريشة كثيراً من التيه والوجع، وشيئاً لم تُسمِه يُشبه العودة أكثر مما يُشبه الرحيل.
يتوقف القطار مُعلناً الوصول، لِتحمل حقيبةً أعدتها مُنذ شهر، لم تكن من قماش وجلد بل وعاء لقدرٍ يسكُنها وضعت فيه قوةً من نور وقسماً بالنجاة.
وصلت إلى غُرفتها إلى موعدٍ تتمنى بأنهُ الأخير، تأملت الأشياء حولها وكأنها لم تعُد ترى الأشياء كما هي، كأنها تدخل عالماً موازياً ينشف فيه الضوء من الوجوه وتبقى به الغصات التي لا ترحم.
يستوقفها شيئاً ما يقف خلف النافذة، لترى كيان لا ظل لهُ، يشبهها دون أن يكونها، ويختلف عنها دون أن يكون أخر نُسخةً روحية منها تخلت عنها واستقرت هناك حيث وجدت مناخاً يشبهها. فعندما يُكسر القلب كثيراً يخرج نصفه ليراقبنا من الخارج.. وهناك خلف النافذة كان نصفها ينتظر نصفها الآخر، فكان هذا أخر ما تراه قبل أن تغطّ في سباتٍ عميق.
الساعة تُشير إلى الثامنة صباحاً، زمنٌ مُكرر للحظة تتمدد فتغمر كل شيء، ترتدي اللباس ذاته للمرة الخامسة وكأنها تُعيد تجربةً قديمة كي تصل بها لمثولها الأخير. يقترب الطبيب بصوتٍ لا يأتي من فمِه بل كأنه مكتوبٌ على صفحةٍ أصدرها مُنذ زمن:(كُل شيء في الأسفل بانتظارك سيُقتص جُزءاً آخراً من أحشائك).
رفعت عينها لتسقُط جوهرةً بلون دمع تتدلى كتسليمٍ ناعم من مقامٍ للصبر والرضا، وبصوتٍ ثابت كحجر: (الأشياء التي نفقدها لا ترحل كُلها بعضُها ينتظر في مكانٍ آخر نشعُره ، فأنا مؤمنة بأنه كما تُهدم المساكن والأحياء أحشائُنا أيضاً لها نصيبٌ من العدم، ليس لتموت بل لتُعلق في سماءٍ أُخرى.. جعلها الله ذخيرتي يوم ألقاه يومُ يُقال فيه: ((إني جزيتهم بما صبروا)).
تمددت فوق السرير الذي تعرف قسوتهُ جيداً كما تعرف حدود قلبها، تُغلف رؤيتها بمفرشٍ أبيض يحمل بذاكرتها رائحة الموت والكفن، خلف جفونها تمر صور بأجنحة للنسيان الذي أصبحت تخافه مُنذ أن أصبحت تنسى مفاتيح يومها وتنسى ملامح وجه مر أمامها قبل دقائق ،حتى الأسماء التي تُحبُها صارت تتداخل في رأسها، كما لو أن المرض يعجن الأشخاص ويُبدل مواقعهم ويتركهم مُعلقين بِلا يقين ،كانت تخاف أن يسرقها النسيان من أيام من تحب ويتركها كظل يمشي بِلا ذاكره بِلا تاريخ وبِلا أحد ،فتدعو يا رب احفظني من الضياع وأكتب أسمائهم في داخلي قبل أن يأكل المرض كُل ما لدي قبل أن يُضيع قلبي نفسه.
في الممر، لم تكُن المخاوف تتطاير.. بل تُصلي، كُل سؤال كان مسبحة، وكل خوفٌ كان تسليماً.
حين بدأ صوت الطبيب بالذوبان مع المُخدر، رأت نفسها بنهرٍ بِلا ضفتين؛ يقف عندهُ وجهان أحدهُما يمدُ طوق نجاة، والأخر يلوح بظلٍ طويل لا يعرف الرحمة.. وبينهما هي كأنها توازن بين موت يتربص بالحافة، ونجاةً تختبئ خلف قسم. يتسرب بعدها بعروقها شيئاً يشبّه الطمأنينة.. يشبّه يداً لأُم غيّبها الموت تُلامسها ثُم ترحل. تُسلم بعدها أمرها ووعيها لله.. ثُم يبدأ القدر بانتزاع ما قُدِّر لهُ أن يُنزع، غيَّبها الصمت في أروقة المستشفى، كانت اللحظات تتمدد على حافة القلق مثل ورقةٍ خفيفة فوق ريحٍ لا تُمهِل. وبينما يتصاعد الخوف في صدورهم كدُعاءٍ مُجهد يُفتح الباب أخيراً.. يخرج الطبيب بصوتٍ مُطمئن، كأنه يُسقِط عن الهواء ثقلاً كان يختنق به ويقول: "كل شيء على ما يرام".
يقتربون منها يلتفون حول السرير الذي صار قلب دوامة الخوف الوحيد، كأن أرواحهم تستند إلى حافته. في تلك اللحظة تُزيح جفونها ببطء.. وتفتح عيناها … لا بقوة كامله، بل بوميض خافت يشبه آخر شرارة تشبثت بالحياة لتقول: إنها مازالت هنا، لتنهض بعدها بصورةٍ لنبضٍ جديد ووفاءً لقسماً صادقاً بالنجاة.
التعليقات
سجّل دخولك لكتابة تقييم
التقييمات والمراجعات متاحة للقرّاء المسجَّلين فقط. أنشئ حسابك مجاناً واحصل على شارة "قارئ دار بسمة" فوراً.
دار بسمة للنشر الإلكتروني - منذ 6 أشهر
هادي سهلي - منذ 7 أشهر
هادي سهلي - منذ 7 أشهر
هادي سهلي - منذ 7 أشهر
سمر - منذ 7 أشهر
إشراق - منذ 7 أشهر
لنا - منذ 7 أشهر
مشاعر قارئ - منذ 7 أشهر
ما يميّز هذه القصة أنها لم تُكتب لتُبهر، بل كُتبت لتقول الحقيقة. واقع عايشته الكاتبة بكل تفاصيله، فنقلته بصدقٍ جعل القارئ يشعر وكأنه يشاهد المشهد لا يقرأه. كلماتها جاءت هادئة، عميقة، خالية من التكلّف، لكنها محمّلة بإحساس إنساني قوي يصل مباشرة إلى القلب.
سامية سهلي تمتلك شجاعة نادرة؛ شجاعة أن تحوّل التجربة الشخصية إلى رسالة، وأن تجعل من الألم وعيًا، ومن الذكرى أثرًا. قصتها أثّرت فيّ لأنها حقيقية، ولأن الصدق حين يُكتب، لا يحتاج إلى زينة ليكون جميلًا.
كل التقدير لهذه الكاتبة التي أثبتت أن الكتابة الصادقة قادرة على أن تترك أثرًا لا يُنسى، وأن الواقع حين يُروى بصدق قد يكون أعمق من أي خيال
مشاعر قارئ - منذ 7 أشهر
ما يميّز هذه القصة أنها لم تُكتب لتُبهر، بل كُتبت لتقول الحقيقة. واقع عايشته الكاتبة بكل تفاصيله، فنقلته بصدقٍ جعل القارئ يشعر وكأنه يشاهد المشهد لا يقرأه. كلماتها جاءت هادئة، عميقة، خالية من التكلّف، لكنها محمّلة بإحساس إنساني قوي يصل مباشرة إلى القلب.
سامية سهلي تمتلك شجاعة نادرة؛ شجاعة أن تحوّل التجربة الشخصية إلى رسالة، وأن تجعل من الألم وعيًا، ومن الذكرى أثرًا. قصتها أثّرت فيّ لأنها حقيقية، ولأن الصدق حين يُكتب، لا يحتاج إلى زينة ليكون جميلًا.
كل التقدير لهذه الكاتبة التي أثبتت أن الكتابة الصادقة قادرة على أن تترك أثرًا لا يُنسى، وأن الواقع حين يُروى بصدق قد يكون أعمق من أي خيال
ايمان - منذ 7 أشهر
فخورين فيك وانت مثال لكل وحدة تعاني ماتستسلم و تتمسك بالقوة والعزيمة .
ايمان - منذ 7 أشهر
فخورين فيك وانت مثال لكل وحدة تعاني ماتستسلم و تتمسك بالقوة والعزيمة .
ايمان - منذ 7 أشهر
فخورين فيك وانت مثال لكل وحدة تعاني ماتستسلم و تتمسك بالقوة والعزيمة .
سحر حنباص - منذ 8 أشهر
تدور القصة حول شخصية تعيش حالة من الاغتراب العاطفي والبحث عن الدفء الإنساني وسط برود العلاقات وقسوة التجارب. تستخدم الكاتبة المكان بوصفه رمزًا للحالة النفسية، فـ«الرياض البارد» لا يشير إلى الطقس فحسب، بل يعكس برودة المشاعر والوحدة التي تحاصر البطلة. ومع تطور الأحداث، تتكشف مشاعر الحنين والألم، وتبرز محاولات خجولة للتصالح مع الذات واستعادة التوازن الداخلي.
يمتاز الملخص بجو شاعري هادئ، حيث تعتمد الكاتبة أسلوبًا رمزيًا رقيقًا يترك للقارئ مساحة للتأمل، وينتهي النص بإيحاء مفتوح يؤكد أن الأمل قد يولد حتى في أقسى لحظات البرود، وأن الإنسان قادر على النهوض من حافة الانكسار
فاديه - منذ 8 أشهر
قدرتي تعبرين عن وجعك وأملك بنفس الوقت وهذا مو سهل
قصتك تترك أثر وتخلي الواحد يوقف احترام لشجاعتك الله يتمم شفاءك على خير ويعوضك عن كل لحظة ألم راحة وفرح
وفخورة فيك قد إيش كنت شجاعة 🤍
غريبه - منذ 8 أشهر
كل يوم اقراها ولااستطيع الرد،
ولاكن رسالتي لك،
كوني كما عرفتك محبه للحياه محبه للجمال محبه للتغييرمحبه للكل
لاتسمحين لليأس والخذلان الذي مررت به يسيطر عليك
انت قويه كرري داخلك انك بأذن اقوئ مما مضى واقوئ لتحمل الابتلاء تحملت الكثير وكسبت الاجر وعدت من جديد والان في مرحله ابتلاء ثانيه واجر اعضم ومضاعف كوني اقوئ من ذي قبل اسرتك ينتضرونك اصدقائك احبابك ينتضرون بشاره عودتك اقوئ من ذي قبل وكما قلت وكتبت ستنجين منها بأذن الله وتعودين لنا بصوره جديده ونبض جديد وحياه جديده وكل مافقدت ذخيره لك وفدآً
عن رووووحك بأذن الواحد الاحد كل شي سيكون على مايرام.
حفظك الله اينما كنت وجعل مامررت به بدراً وسلاماً على روووحك وثقي بأن دعواتي ترافقك 🌹❤️
ساره جفران ابراهيم السبيعي - منذ 8 أشهر
ساره جفران ابراهيم السبيعي - منذ 8 أشهر
ساره جفران ابراهيم السبيعي - منذ 8 أشهر
فاطمه ابو طالب - منذ 8 أشهر
اعرف ان الإبداع يتشكل وينمو مثل زهرة يانعة من عمق المعاناة والتحديات اللي نواجهها في حياتنا
كلماتك مليانه بالالم اللي صاغ الجمال حقيقةً ...
عمق وجمال أثر في نفسي من السطور الأولى التي قرأتها فيها
وانتهيت (( لتنهض بعدها بصورةٍ لنبضٍ جديد ووفاءً لقسماً صادقاً بالنجاة ))
هذا هو الأمل اللي مهما كانت معاناتنا لابد ننهي القصه فيه ...
مبدعه ساميه
واسأل الله لك الخلاص من كل غصة الم سارت بقلبك او جسدك 🌹
امنه سهلي - منذ 8 أشهر
آمال - منذ 8 أشهر
🕊️ - منذ 8 أشهر
ندى اليامي - منذ 8 أشهر
رباب جدودي - منذ 8 أشهر
أحبك الله فأبتلاك ليختبر صبرك بأذن الله فتره وتعدي ونتي قويه ومؤمنه بالقدر .
سهى سهلي - منذ 8 أشهر
حروفك تركتنا عند الحافة نبتهل لأجلك بألف دعوة أسعدنا الله بعافيتك وادام وجودك♥️♥️
أم علي - منذ 8 أشهر
ام الحسين - منذ 8 أشهر
كلام جميل ووصف رائع 💕
أسأل الله أن يجعل ما أصابك رفعة لك في الدرجات وأن يصرف عنك السوء ويكتب لك الأجر والعافية التي تسر ….🌹
ابتسام - منذ 8 أشهر
في كلماتكِ هشاشة تشبه الصدق، وقوة لا تُعلن نفسها، وصبرٌ يلمع بهدوء يشبه الدموع حين تُحبس. شعرتُ أن الروح في نصك لا تُقاوم القدر، بل تُسلّم له بثقةٍ موجوعة، وهذا أصدق أشكال الشجاعة.
نصّك ليس قراءة، بل تجربة… يترك أثره في القلب طويلًا، ويجعلنا نؤمن أن بعض الكتابة ليست للبوح فقط، بل للبقاء.
دام قلمكِ شاهدًا على الحياة، ودام الله لكِ النجاة التي أقسمتِ لها 🤍🤍
عيوش - منذ 8 أشهر
حنان جرب - منذ 8 أشهر
أفراح محمد أحمد نامس - منذ 8 أشهر
خوخه - منذ 8 أشهر
علي - منذ 8 أشهر
علي - منذ 8 أشهر
ام شهد - منذ 8 أشهر
بقلم/ناقد ادبي - منذ 8 أشهر
سميره - منذ 8 أشهر
ربي يفرحك بنفسك ويشفيك ويرفع عنك ان شاءالله
مؤثره الكلمات
يبتلي الله المؤمنون ربي إذا حب العبد ابتلاه
تسلم اناملك 🌹❤️🩷
محمد ال صديق - منذ 8 أشهر
أم علي - منذ 8 أشهر
أم راما - منذ 8 أشهر
بكل ألمك وصراع قلبك مع الانتظار والخوف والخذلان أحيانًا. أعلم كم تحملين بداخلك من وجع وصبر، وأريدك أن تعرفي أنني دائمًا معك، أشاركك همومك وأتمنى لك القوة لتستمرّي رغم كل شيء حرفك يعكس حقيقة شعورك، وأفتخر بك وبصدقك مع نفسك ومع من حولك. لا تنسي، حتى في أصعب اللحظات، أنتِ لستِ وحدك، وأي ألم تمرّين به اليوم سيصبح غدًا جزءًا من قوتك ثقي فقط بالله ♥️
أبو الحسين - منذ 8 أشهر
( لا يحدث في الكون إلا قدر الله)
فيمضي راضياً مبتسماً ومتحفزاً لخوض الحياة وجعلها أجمل ما تكون
( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير )
شكراً أم يزن حركت مشاعرنا ومسحت عن نفوسنا بعض سخائمها أعيننا تتأمل وعقولنا تتفكر وأرواحنا تسجد على سجادة صلاتك ذاتها
وفق الله الجميع إلى مايحبه ويرضاه
ليلى ال صديق - منذ 8 أشهر
ليلى ال صديق - منذ 8 أشهر
بدريه ديباجي - منذ 8 أشهر
خولة سهلي - منذ 8 أشهر
خولة سهلي - منذ 8 أشهر
خديجه ربيع - منذ 8 أشهر
خولة سهلي - منذ 8 أشهر
خولة سهلي - منذ 8 أشهر
هادي سهلي - منذ 8 أشهر
كأن الله أودع في ملامحك سر التوازن
فلا تمر على قلب إلا وهدأ
ولا تبتسم إلا وانسحب التعب من الأيام خجل
في حضورك شيء يشبه المعجزة الصامتة
لا ترفع صوتها لتسمَع
يكفي أن تكوني قيثارة للحياة المتجدده
فينحاز الصبر إلى صفّح دون مقاومة فلكي منادعواتنا الصادقه من عمك وزوجته بوفاء المحبه وتقدير لكي
سهام سهلي - منذ 8 أشهر
الحسين سهلي / أبو نادين - منذ 8 أشهر
أحسنتِ رسم الهشاشة دون ضعف، والصبر دون ادّعاء، وجعلتِ من النجاة قَسَمًا لا حدثًا عابرًا. نصّ مؤلم، جميل، ومُضيء بما يكفي ليُثبت أن الروح حين تُرهق، تكتب لتنجو.
كل الاحترام لهذا القلم الناضج 🌿✍️
صالحه سهلي - منذ 8 أشهر
هناك الاتجاه الحقيقي الذي لايمكن الضلال عنه لانيأس ولا نحزن ولنا رب يقول. "هو علي هين"🤍
ريم جدودي - منذ 8 أشهر
ريم جدودي - منذ 8 أشهر
أشجان عماري - منذ 8 أشهر
مريم - منذ 8 أشهر
الله يخفف عنك ويجبر خاطرك جبرًا يليق بعظم صبرك، تعبك مو هين لكنك أقوى مما تتخيلين.
أبشري بالخير، ربي ما يضيع دمعة ولا وجع.
بدعيلك من قلبي، والله يجعل أيامك الجاية كلها بخير وعافيه
Zakaria Shwafi - منذ 3 أسابيع
بقلم ؛ جمال البطاينة
ليس في هذه الدنيا قانونٌ أعدل من قانون الزمن؛ فلا سلطانٌ استطاع أن يؤخره، ولا ثروةٌ اشترت منه يومًا، ولا جمالٌ أغراه، ولا ذكاءٌ أفلت من قبضته. يمضي في طريقه هادئًا لا يرفع صوته، لكنه لا ينسى أحدًا، حتى يبلغ بالناس جميعًا المحطة ذاتها: الشيخوخة.
ومنذ أن يفتح الإنسان عينيه على الدنيا، يبدأ العدّ التنازلي لعمره، غير أنه يعيش أكثر حياته وكأن الزمن حليفٌ لا يفارقه، وكأن الغد وعدٌ مكتوب لا يتخلف، فيؤجل الأحلام، ويؤخر التوبة، ويؤجل الاعتذار، ويؤخر كلمة الحب، وينسى أن العمر ليس إلا أنفاسًا معدودة، إذا خرج آخرها انتهت الحكاية.
عجيبٌ أمر الإنسان؛ فما إن يطوي صفحةً من عمره حتى يظن أن الكتاب ما يزال في أوله.
بالأمس كان طفلًا يطارد الفراشات، ويحسب أن العالم لا يتجاوز حدود بيته وألعابِه. ثم أصبح شابًا يركض خلف الطموح، يظن أن القوة لا تفارقه، وأن الأيام خُلقت لتخدم أحلامه. ثم حملته السنون إلى ميادين المسؤولية، فصار أبًا أو أمًا، يكدح ليبني بيتًا، ويربي أبناءً، ويؤمن مستقبلًا. ثم إذا به يلتفت ذات مساء، فيجد أن الشعر قد غزاه البياض، وأن التجاعيد كتبت سيرتها على وجهه، وأن الزمن الذي كان يظنه طويلًا قد مرّ كطيف عابر.
وهنا تبدأ الحكمة.
فالشيخوخة ليست ضعفًا كما يتوهم كثيرون، وإنما هي المرحلة التي تنكشف فيها حقائق الحياة بعد أن تنقشع عنها ضوضاء الشباب.
هناك يدرك الإنسان أن ما كان يظنه عظيمًا لم يكن يستحق كل ذلك الصراع، وأن كثيرًا من الخصومات كانت أصغر من أن تُخاض، وأن الكبرياء الذي فرّق بين القلوب لم يكن إلا خسارةً مؤجلة.
يعرف عندها أن العمر لا يُقاس بعدد السنين، وإنما بما امتلأت به من خير، وأن قيمة الإنسان ليست فيما جمع، بل فيما أعطى، وليست فيما امتلك، بل فيما ترك من أثر.
ومع مرور الأعوام تتبدل الوجوه من حولنا.
الأطفال الذين حملناهم على أكتافنا يصبحون رجالًا ونساءً، والأيدي الصغيرة التي أمسكناها خوفًا عليها من الطريق، تصبح هي التي تلوح لنا مودعةً عند أبواب الجامعات، أو المطارات، أو بيوت الزوجية.
بعضهم يعود شاكرًا، يعرف أن وراء ابتسامته طفولةً دفعت ثمنها دموعُ والديه، وأن وراء نجاحه لياليَ طويلةً من السهر والتعب والدعاء.
وبعضهم ــ مع الأسف ــ ينسى.
ينسى أن الأشجار التي استظل بها زرعها غيره، وأن الأكتاف التي حملته يومًا كانت تثقلها الهموم، وأن الراحة التي عاشها كانت ثمرة تعبٍ لم يره.
لكن المؤمن لا يجعل إحسانه تجارةً ينتظر ربحها من الناس؛ لأن الجزاء الحقيقي عند الله، ولأن المعروف لا يضيع عند الكريم سبحانه.
ولهذا فإن أجمل الناس ليس من أحسن إلى أهله فحسب، بل من اتسع قلبه للناس جميعًا، فأصبح نفعه عامًا، ورحمةً تمشي على الأرض، يداوي بكلمة، ويصلح بين متخاصمين، ويواسي منكسرًا، ويزرع أملًا في قلب يائس.
وحين يتقدم العمر، يكتشف الإنسان أن الأصدقاء أيضًا يرحلون.
بعضهم إلى رحمة الله، وبعضهم إلى المرض، وبعضهم تبتلعهم المسافات، حتى تصبح الصور القديمة أكثر ازدحامًا بالغائبين من الحاضرين.
وعندها يعرف الإنسان قيمة اللقاء، وأن المجالس التي كانت تبدو عادية كانت في الحقيقة من أعظم نعم الله.
ويتعلم درسًا لا يُدرَّس في الجامعات:
أن الوقت أثمن من المال، وأن الكلمة الطيبة قد تعيش أكثر من صاحبها، وأن القلوب لا تُفتح بالقوة، وإنما بالمحبة، وأن السلام مع الناس صورةٌ من صور السلام مع النفس.
ومع الشيخوخة تتساقط الأوهام واحدًا تلو الآخر.
فالمناصب تنتقل، والثروات تُورث، والبيوت يسكنها غير أصحابها، والسيارات تصير خردة، والثياب تبلى، والألقاب تُنسى، والتصفيق يخفت، ولا يبقى مع الإنسان إلا عمله، وسيرته، وأثره في قلوب الناس.
لقد صدق الله تعالى حين قال:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
وصدق سبحانه إذ قال:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
ولذلك فإن الشيخوخة ليست عقوبة، وإنما رسالة من الله إلى عباده؛ تذكّرهم بأن الدنيا محطة، وأن الآخرة هي دار القرار، وأن أجمل ما يحمله الإنسان معه إلى قبره ليس رصيدًا في بنك، ولا منصبًا في دولة، ولا شهرةً بين الناس، وإنما قلبٌ سليم، وعملٌ صالح، وذكرٌ حسن، وولدٌ صالح يدعو له.
ليس الشيب عيبًا، بل هو وسامٌ يعلقه الزمن على رؤوس من طال بهم السفر.
وليست التجاعيد تشويهًا للوجه، بل هي سطورٌ كتبها العمر، يقرأ فيها العاقل قصة الصبر، والتعب، والكفاح، والانتصار على تقلبات الأيام.
إن الكرامة الحقيقية ليست أن يبقى الجسد قويًا، وإنما أن تبقى الروح نقيّة، والقلب رحيمًا، والعقل حكيمًا، واللسان طيبًا، واليد ممتدةً بالخير.
فالناس لا يتذكرون كم كان في حساباتنا، ولا كم كانت منازلنا واسعة، ولا كم صفقوا لنا، وإنما يتذكرون: هل كنا رحماء؟ هل أنصفنا المظلوم؟ هل أصلحنا بين الناس؟ هل تركنا وراءنا نورًا يهتدي به الآخرون؟
وفي نهاية المطاف، لا يسأل الإنسان نفسه: كم سنةً عشت؟
بل يسأل: ماذا صنعت في تلك السنين؟
فالسنوات تُحصى بالأرقام، أما الأعمار فتُقاس بالأثر.
وما أجمل أن يبلغ الإنسان خريف العمر، وقد خفّ حمل الدنيا عن قلبه، وثقل ميزانه عند ربه، فيلقى الله وهو يحمل معه قلبًا مطمئنًا، ونفسًا راضية، وعملًا صالحًا، وذكرًا حسنًا بين الناس.
تلك هي الشيخوخة التي لا تُخيف المؤمن.
إنها ليست نهاية الحياة…
بل بداية الاستعداد للحياة التي لا نهاية لها.